وزير المالية يؤكد توجه الدولة لتمكين القطاع الخاص
شارك وزير المالية في جلسة نقاشية حول آفاق التعافي الاقتصادي، مؤكداً على دور القطاع الخاص وإصلاح المنظومة الضريبية وتعزيز الشفافية لتحسين معيشة المواطنين.
شارك وزير المالية “محمد يسر برنية”، إلى جانب حاكم مصرف سورية المركزي “محمد صفوت رسلان”، في جلسة نقاشية حملت عنوان “الآفاق الاقتصادية لسورية: أولويات التعافي والاستثمار”، وذلك ضمن فعاليات حفل إطلاق تقرير سورية 2026 الصادر عن مركز أكسفورد للدراسات، بالتعاون مع المنتدى الإستراتيجي السوري. وتناولت الجلسة الرؤى المستقبلية للواقع المالي والاقتصادي، مع التركيز على السياسات التي تتبناها الدولة في المرحلة الراهنة لتعزيز الاستقرار ودفع عجلة التنمية المستدامة في مختلف القطاعات الحيوية.
تمكين القطاع الخاص كمحرك للنمو الاقتصادي
أكد وزير المالية خلال الجلسة أن التوجه الاقتصادي العام للدولة يرتكز بشكل أساسي على تمكين القطاع الخاص ليتولى دور المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، مشيراً إلى أن هذا التوجه يتطلب تهيئة بيئة استثمارية تنافسية قادرة على جذب الرساميل وتوطين المشاريع الإنتاجية. وتكتسب عملية تمكين القطاع الخاص أهمية كبرى في الاقتصادات الحديثة، حيث تساهم في تنويع مصادر الدخل وخلق فرص العمل وزيادة القيمة المضافة للناتج المحلي الإجمالي، مما ينعكس إيجاباً على الدورة الاقتصادية الشاملة.
وأوضح الوزير أن الدولة تعمل على تطوير الأطر التشريعية والمؤسسية التي تضمن سلاسة العمل الاقتصادي، مع التركيز على تعزيز دور الدولة بوصفها منظماً ومحفزاً للنشاط الاقتصادي، لا مزاحماً للقطاع الخاص في مجالات عمله. إن تحديد الأدوار بين القطاعين العام والخاص يساهم في رفع كفاءة استغلال الموارد الوطنية، حيث تتفرغ المؤسسات الحكومية لوضع السياسات والضوابط التي تضمن عدالة المنافسة وحماية حقوق جميع الأطراف، بينما يتولى القطاع الخاص تنفيذ المشاريع وإدارة العمليات التجارية وفق معايير الكفاءة والجدوى الاقتصادية.
إصلاح المنظومة الضريبية وتحقيق العدالة
استعرض الوزير ملامح الإصلاحات التي تقودها وزارة المالية، وفي مقدمتها إصلاح المنظومة الضريبية بما يضمن تعزيز التنافسية والعدالة والحياد الضريبي، وهي مفاهيم أساسية تهدف إلى بناء نظام مالي متطور يدعم النشاط التجاري ولا يشكل عبئاً عليه. ويقصد بالحياد الضريبي عدم تأثير الضرائب على القرارات الاقتصادية للمستثمرين، مما يضمن توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر إنتاجية، بينما تهدف العدالة الضريبية إلى توزيع الأعباء المالية بشكل يتناسب مع القدرات الاقتصادية للمكلفين، مما يعزز التلاحم الاجتماعي والثقة بين الدولة والمواطن.
وتتضمن جهود الإصلاح الضريبي أيضاً تبسيط الإجراءات وتخفيف الأعباء الإدارية عن المكلفين، بالتوازي مع تعزيز الامتثال ومكافحة التهرب الضريبي لضمان رفد الخزينة العامة بالموارد اللازمة لتمويل الخدمات الأساسية. إن تبسيط المنظومة الضريبية يساهم في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنهاء المعاملات المالية، كما أن مكافحة التهرب تضمن تكافؤ الفرص بين جميع الفعاليات الاقتصادية، حيث لا يحصل المتهرب على ميزة غير عادلة تجاه الملتزمين بالقانون، مما يحمي الاقتصاد الوطني من التشوهات المالية.
الشفافية والحوكمة كركائز لبناء الثقة
شدد الوزير على أن الشفافية والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد تمثل ركائز أساسية لبناء الثقة مع المستثمرين وتحسين مناخ الاستثمار العام في البلاد. وتعد الحوكمة الرشيدة مجموعة من القواعد والممارسات التي تضمن الإدارة الفعالة والنزيهة للموارد العامة، وهي ضرورية لضمان وصول الدعم والتمويل إلى مستحقيه وتحقيق أفضل النتائج من الإنفاق الحكومي. كما أن الشفافية تتيح للجمهور والمستثمرين الاطلاع على الحقائق المالية، مما يقلل من حالة عدم اليقين ويشجع على اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، أشار الوزير إلى جهود الوزارة في تعزيز الإفصاح ونشر التشريعات والبيانات المالية، بالإضافة إلى إصدار موازنة المواطن التي تهدف إلى تبسيط المعلومات المالية المعقدة وجعلها متاحة للعموم. إن نشر البيانات المالية وتسهيل الوصول إليها يعزز من الرقابة المجتمعية ويساهم في رفع الوعي المالي لدى المواطنين، مما يجعلهم شركاء في عملية التنمية ومطلعين على كيفية تخصيص الموارد الوطنية وتوزيعها على القطاعات المختلفة مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
تطوير أدوات التمويل وإصدار الصكوك
تطرق الوزير إلى توجه وزارة المالية نحو إصدار الصكوك لتوسيع خيارات التمويل طويل الأجل المتاحة في السوق السورية، وهي خطوة تهدف إلى تنويع الأدوات المالية وتوفير قنوات استثمارية جديدة تتناسب مع احتياجات المستثمرين المختلفة. وتعتبر الصكوك أدوات تمويلية هامة تساهم في حشد المدخرات وتوجيهها نحو المشاريع الإستراتيجية الكبرى، مما يقلل الاعتماد على المصادر التقليدية للتمويل ويفتح آفاقاً جديدة لتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة بطرق مبتكرة ومستدامة.
كما تعمل الوزارة بالتوازي مع ذلك على خفض مخاطر الاستثمار وتشجيع مؤسسات ضمان الاستثمار الدولية على الانخراط في السوق المحلية، مما يساهم في توفير بيئة آمنة لرؤوس الأموال الأجنبية والمحلية على حد سواء. إن وجود ضمانات دولية للاستثمار يقلل من التخوفات المرتبطة بالمخاطر غير التجارية، ويشجع المؤسسات والمصارف العالمية على دراسة فرص الاستثمار والتمويل المتاحة، وهو ما بدأ يظهر من خلال الاهتمام المتزايد من قبل هذه الجهات بالفرص الواعدة في سورية والتقدم المحرز في إعادة بناء الشراكات الاقتصادية الدولية.
سورية كمركز إقليمي للربط والخدمات
لفت الوزير إلى الفرص الإستراتيجية التي تتيحها التحولات الإقليمية والدولية لتعزيز موقع سورية بوصفها مركزاً للربط الإقليمي في مجالات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية. ويعد الموقع الجغرافي المتميز للبلاد ميزة تنافسية طبيعية تمكنها من لعب دور محوري في خطوط التجارة الدولية ونقل الطاقة بين الدول، مما يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة في قطاعات الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة وأنابيب الغاز والكهرباء، وهي قطاعات تشكل العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية شاملة.
ودعا الوزير المستثمرين إلى الاستفادة من هذه الإمكانات الاقتصادية والفرص الواعدة، مؤكداً أن نجاح الإصلاحات لا يقاس فقط بالمؤشرات المالية، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وتحسين مستوى معيشتهم. إن الغاية الأساسية من كل مسارات الإصلاح والتعافي الاقتصادي هي المواطن السوري، من خلال ضمان جودة الخدمات الأساسية المقدمة له ورفع قدرته الشرائية، حيث تظل التنمية البشرية وتحسين الرفاه الاجتماعي هما المعيار الحقيقي لنجاح السياسات الاقتصادية والمالية المتبعة.
ختاماً، أكد وزير المالية أن مسار الإصلاح الاقتصادي والمالي مستمر وفق رؤية تهدف إلى تمكين القطاع الخاص وتطوير المنظومة الضريبية وتعزيز الشفافية، مع التركيز الدائم على أن يكون المواطن هو الغاية الأساسية من هذه الجهود. ومن خلال دمج الإصلاحات التشريعية مع تطوير أدوات التمويل واستثمار الموقع الإستراتيجي للبلاد، تسعى الدولة إلى بناء اقتصاد قوي ومرن قادر على مواجهة التحديات وتحقيق التعافي المستدام الذي يلمس أثره كل فرد في المجتمع السوري.
