مشاركة سورية في الاجتماع الأول لمنصة الدول المقترضة ببانكوك
شهدت العاصمة التايلاندية بانكوك مشاركة سورية رفيعة المستوى في الاجتماع التأسيسي لمنصة الدول المقترضة، بهدف تعزيز التنسيق الدولي وتبادل الخبرات في إدارة الديون العامة والنمو الاقتصادي.
شارك وزير المالية “محمد يسر برنية” وحاكم مصرف سورية المركزي “محمد صفوت رسلان”، اليوم في بانكوك، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، في الاجتماع الأول للمجلس الحاكم لمنصة الدول المقترضة (Borrowers’ Platform)، المرتبطة بالأمم المتحدة. وشهد هذا الاجتماع اعتماد بيان يحدد أولويات عمل المنصة خلال المرحلة المقبلة، وذلك تمهيداً لانتقالها إلى مرحلة التنفيذ والتشغيل الفعلي، في خطوة تهدف إلى تنظيم الجهود الدولية في هذا الإطار المالي الحيوي.
أهداف المنصة والتعاون الدولي
تُعد منصة الدول المقترضة مبادرة دولية تحظى بدعم الأمم المتحدة من خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد – UNCTAD). وجاء إنشاؤها متابعة لتوصيات مؤتمر إشبيلية للتنمية، حيث تهدف بشكل أساسي إلى تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول المقترضة، وتبادل الخبرات المتراكمة في مجال إدارة الدين العام. وتسعى المنصة من خلال هذه الجهود إلى توحيد رؤى الدول الأعضاء لتعزيز حضورها وصوتها داخل النظام المالي الدولي، بما يضمن تمثيلاً أكثر فاعلية لمصالحها الاقتصادية.
تكتسب مثل هذه المنصات أهمية استراتيجية في الاقتصاد العالمي، حيث توفر فضاءً للحوار التقني والسياسي بين الدول التي تتشارك تحديات تمويلية متشابهة. إن تبادل الخبرات في إدارة الدين العام يعني دراسة أفضل الممارسات لتنظيم الالتزامات المالية، وضمان استدامة الموارد، وتوجيه الاقتراض نحو المشاريع التنموية. ويعد النظام المالي الدولي هيكلاً معقداً يتطلب تنسيقاً مستمراً بين مختلف الأطراف لضمان استقرار الأسواق وتحقيق التوازن بين احتياجات التنمية والقدرة على الوفاء بالالتزامات.
العضوية والرئاسة في المرحلة التأسيسية
تضمّ عضوية الدول المؤسسة لهذه المنصة الدولية 30 دولة، من بينها سبع دول عربية، مما يعكس اهتماماً إقليمياً واسعاً بالمشاركة في صياغة السياسات المالية المشتركة. وفيما يخص الجانب التنظيمي للمجلس، يتولى وزير مالية جمهورية باكستان الإسلامية رئاسة المجلس خلال العام الأول من انطلاق أعماله. ويمثل هذا التنوع في العضوية قاعدة عريضة من التجارب الاقتصادية المختلفة التي يمكن أن تسهم في إغناء عمل المنصة وتحقيق أهدافها الرامية إلى دعم الاستقرار المالي للدول الأعضاء.
إن وجود عدد كبير من الدول المؤسسة يعزز من شرعية المنصة وقدرتها على التأثير في المحافل الدولية. وتعد المشاركة العربية في مثل هذه المبادرات جزءاً من التوجه نحو تعزيز العمل المشترك في القضايا الاقتصادية التي تهم المنطقة. وتتولى الرئاسة الدورية مهام تنسيق الاجتماعات ومتابعة تنفيذ القرارات المعتمدة، مما يضمن استمرارية العمل المؤسساتي وتوزيع المسؤوليات بين الدول الأعضاء بشكل يخدم المصلحة العامة للمنصة وأهدافها التنموية.
كلمة الأمين العام للأمم المتحدة
افتتح الاجتماع بكلمة للأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش”، والتي تناول فيها أهمية التعاون لتخفيف أعباء الديون عن الدول النامية. وتأتي هذه الكلمة في سياق الاهتمام الدولي المتزايد بضرورة إيجاد حلول مستدامة للتحديات المالية التي تواجهها الدول النامية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية المتقلبة التي تتطلب تكاتفاً دولياً لدعم مسارات التنمية والنمو الاقتصادي المستدام.
تعتبر قضية الديون في الدول النامية من القضايا المركزية في أجندة التنمية الدولية، حيث تؤثر بشكل مباشر على قدرة هذه الدول على الاستثمار في القطاعات الخدمية والاجتماعية. إن تخفيف أعباء الديون يهدف عادة إلى تحرير الموارد المالية وتوجيهها نحو تحسين جودة الحياة وتطوير البنية التحتية. ويمثل دعم الأمم المتحدة لهذه المبادرات اعترافاً بضرورة إصلاح الهياكل المالية الدولية لتكون أكثر استجابة لاحتياجات الدول الأقل نمواً أو تلك التي تمر بمراحل انتقالية صعبة.
رؤية وزارة المالية السورية
في مداخلته خلال الاجتماع الوزاري، أكد وزير المالية “محمد يسر برنية” على الأهمية الكبيرة التي تمثلها هذه المنصة في الوقت الراهن. وأشار إلى ضرورة توفير المزيد من الاهتمام للدول الخارجة من الصراعات، لما لها من خصوصية تتطلب دعماً فنياً ومالياً متميزاً. وشدد الوزير على أن الاقتراض أو التمويل ينبغي أن يسهم في نمو الاقتصاد، وليس في تراكم العجز والمديونية التي قد تثقل كاهل الميزانيات العامة وتعيق مسارات التنمية المنشودة.
كما أعرب الوزير عن الحرص التام على التنسيق المستمر مع الدول والمؤسسات الأعضاء في المنصة، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز من كفاءة إدارة الموارد المالية. إن التركيز على النمو الاقتصادي كهدف أساسي للاقتراض يعكس رؤية تنموية تهدف إلى تحويل الالتزامات المالية إلى استثمارات منتجة تولد فرص العمل وتزيد من الناتج المحلي الإجمالي. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في الدول التي تسعى لإعادة بناء اقتصادها وتحقيق الاستقرار المالي على المدى الطويل.
أهمية القطاع المالي والمبادرات الدولية
يعد القطاع المالي والمصرفي الركيزة الأساسية لأي نشاط اقتصادي، حيث يسهم في تنظيم تدفقات الأموال وتوفير التمويل اللازم للمشاريع الحيوية. وتكتسب الخطوات الرامية إلى تعزيز التعاون الدولي في هذا المجال أهمية قصوى للمواطنين وللقطاع الاقتصادي بشكل عام، حيث تؤدي إلى تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز الثقة في النظام المالي. إن مثل هذه المبادرات تفتح آفاقاً جديدة للتعاون الفني وتبادل المعرفة، مما ينعكس إيجاباً على كفاءة المؤسسات المالية الوطنية وقدرتها على مواجهة التحديات.
تساهم المشاركة في المنصات الدولية في بناء قدرات الكوادر الوطنية من خلال الاطلاع على أحدث النظم والسياسات المالية المتبعة عالمياً. كما أن توحيد صوت الدول المقترضة يساعد في صياغة سياسات دولية أكثر عدالة وتوازناً، تأخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة لكل دولة. وفي المحصلة، فإن استقرار النظام المالي وتحقيق إدارة فعالة للدين العام يعدان من المتطلبات الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة وضمان مستقبل اقتصادي أفضل للأجيال القادمة.
ختاماً، يمثل الاجتماع الأول للمجلس الحاكم لمنصة الدول المقترضة في بانكوك بداية لمرحلة جديدة من التعاون المالي الدولي. وقد ركزت المشاركة السورية على ضرورة ربط التمويل بالنمو الاقتصادي الفعلي والاهتمام بالدول التي تمر بظروف استثنائية. ومن المتوقع أن تسهم المنصة، من خلال أعضائها الثلاثين ودعم الأمم المتحدة، في خلق بيئة أكثر تنسيقاً لإدارة الديون العامة وتعزيز حضور الدول النامية في المشهد المالي العالمي.
