وزير المالية يشارك في ورشة حول صلابة الاقتصاد الكلي
شارك وزير المالية وحاكم مصرف سورية المركزي في ورشة عمل رفيعة المستوى نظمها صندوق النقد العربي في أبوظبي، ركزت على تعزيز صلابة الاقتصاد الكلي والتنسيق بين السياستين المالية والنقدية في ظل التحديات الراهنة.
شارك وزير المالية محمد يسر برنية وحاكم مصرف سورية المركزي صفوت رسلان، اليوم، في الورشة رفيعة المستوى على مستوى وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية التي عقدها صندوق النقد العربي في أبوظبي. وجاءت هذه المشاركة تحت عنوان «صلابة الاقتصاد الكلي في ظل الاضطرابات الجيوسياسية»، وذلك على هامش اجتماعات وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية العرب، وتزامناً مع احتفال الصندوق بالذكرى الخمسين لتأسيسه. وتكتسب هذه المشاركات أهمية كبيرة في تعزيز الحوار الاقتصادي العربي المشترك وتبادل الخبرات حول أفضل الممارسات المتبعة في إدارة الأزمات المالية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود في المنطقة.
آفاق النمو الاقتصادي في ظل التحديات الإقليمية
خلال الجلسة الأولى من الورشة، التي تناولت سبل صنع السياسات في ظل عدم اليقين الجيوسياسي، أكد الوزير أن الاقتصاد السوري يواصل تعافيه رغم التوترات الإقليمية المحيطة. وأشار إلى أنه يُتوقع أن يسجّل الاقتصاد نمواً جيداً خلال هذا العام والعامين القادمين، مما يعكس قدرة القطاعات الإنتاجية والخدمية على التكيف مع الظروف المتغيرة. وتعتبر توقعات النمو الاقتصادي مؤشراً حيوياً يعكس الحالة الصحية للاقتصاد الوطني، حيث تسعى الدول عادة من خلال هذه التوقعات إلى رسم خارطة طريق واضحة لجذب الاستثمارات وتنشيط الحركة التجارية.
إن مفهوم صلابة الاقتصاد الكلي يشير بصفة عامة إلى قدرة المنظومة الاقتصادية للدولة على امتصاص الصدمات الخارجية والداخلية، والعودة إلى مسار النمو الطبيعي بأقل قدر من الخسائر. وتتطلب هذه الصلابة مرونة عالية في استجابة السياسات العامة للتغيرات المفاجئة، وهو ما تسعى إليه الدول من خلال تنويع مصادر الدخل وتقوية البنية التحتية الاقتصادية. ويعد النمو المستدام هدفاً رئيساً لكل المجتمعات، كونه يسهم في تحسين مستويات المعيشة وتوفير فرص العمل وتطوير الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطنون في حياتهم اليومية.
الانضباط المالي وبناء المؤسسات الاقتصادية
بيّن الوزير خلال الورشة أن سورية تعتمد في استجابتها الاقتصادية على الانضباط المالي وبناء المؤسسات، وتعمل بشكل حثيث على تمويل الموازنة من مصادر حقيقية وتعزيز الشفافية في كافة الإجراءات المالية. وأوضح أن موازنة عام 2027 ستتضمن لأول مرة إطاراً مالياً متوسط الأجل، وهو إجراء يهدف إلى تعزيز التخطيط المالي الاستراتيجي ورفع كفاءة الإنفاق العام. ويعد الانضباط المالي ركيزة أساسية لضمان استدامة المالية العامة، حيث يهدف عادة إلى موازنة الإيرادات والنفقات وتقليل الاعتماد على مصادر التمويل غير المستقرة.
تكتسب عملية بناء المؤسسات أهمية قصوى في تطوير القطاع المالي، حيث تضمن وجود أطر قانونية وإدارية قوية قادرة على تنفيذ السياسات بكفاءة وشفافية. إن الشفافية المالية تعني إتاحة المعلومات والبيانات الاقتصادية بوضوح، مما يسهم في تعزيز الثقة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع. أما الإطار المالي متوسط الأجل، فهو أداة تخطيطية تسمح للحكومات بتوقع النفقات والإيرادات لعدة سنوات قادمة، مما يساعد في تجنب التقلبات المالية المفاجئة ويضمن استمرارية المشاريع التنموية والخدمية الحيوية.
التعاون الدولي ودعم جهود إعادة الإعمار
لفت الوزير إلى أن احتياجات سورية الحالية تتجاوز الإمكانات الذاتية المتاحة، وهو ما يستدعي تضافر الجهود الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، ثمّن دعم الشركاء الإقليميين، مُرحباً بالدعوة إلى إنشاء صندوق متعدد المانحين لدعم التنمية وإعادة الإعمار في سورية. وتعد الصناديق متعددة المانحين وسيلة فعالة لتجميع الموارد المالية من جهات مختلفة وتوجيهها نحو مشاريع محددة تخدم أهداف التنمية المستدامة، مما يضمن كفاءة التمويل وتوزيعه العادل على القطاعات الأكثر احتياجاً.
تكتسب خطوات دعم التنمية وإعادة الإعمار أهمية استراتيجية للمجتمعات التي تسعى لتجاوز آثار الأزمات، حيث تهدف هذه العمليات إلى ترميم البنية التحتية وتنشيط القطاعات الاقتصادية المتضررة. إن التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين يفتح آفاقاً جديدة لتبادل المعرفة التقنية والتمويل اللازم للمشاريع الكبرى. وتعتبر مثل هذه المبادرات حيوية لتحفيز الاقتصاد المحلي، حيث تسهم في خلق بيئة محفزة للأعمال وتدعم جهود الدولة في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين في مختلف المجالات.
التنسيق بين السياستين النقدية والمالية
ترأس الوزير الجلسة الثانية التي حملت عنوان «تعزيز التنسيق بين السياستين النقدية والمالية في ظل تصاعد عدم اليقين العالمي»، وأكد فيها أن هذا التنسيق هو حجر الأساس في مسار التعافي في سورية. وأشار إلى أن وزارة المالية ومصرف سورية المركزي يعززان التشاور والحوار، ويعملان معاً على عدة محاور بهدف تعزيز الاستقرار المالي. ويعد التكامل بين السياسة المالية التي تديرها الحكومة والسياسة النقدية التي يديرها المصرف المركزي أمراً ضرورياً لتحقيق التوازن الاقتصادي الشامل.
إن نجاح التنسيق بين هاتين السياستين يتطلب، كما شدّد الوزير، تحديداً واضحاً للصلاحيات والمسؤوليات وقواعد وركائز مالية ذات مصداقية، بالإضافة إلى تواصل متسق ومستمر. ففي حين تهتم السياسة المالية بالضرائب والإنفاق الحكومي، تركز السياسة النقدية على استقرار العملة ومستويات السيولة. ويؤدي غياب التنسيق بينهما عادة إلى تضارب في النتائج، بينما يضمن العمل المشترك السيطرة على معدلات التضخم وتحفيز النمو الاقتصادي، مما ينعكس إيجاباً على الاستقرار المالي العام للدولة.
تعزيز التعاون العربي المشترك
دعا الوزير في ختام مشاركته إلى تعزيز التعاون اللوجستي والمالي العربي، مؤكداً أن الحاجة إلى هذا التعاون اليوم أشدّ من أي وقت مضى في ظل الظروف العالمية الراهنة. ويشمل التعاون اللوجستي والمالي تبادل الخبرات الفنية، وتسهيل حركة الرساميل، وتطوير الأنظمة المالية المشتركة التي تخدم المصالح العربية. وتكتسب هذه الدعوات أهمية خاصة في ظل التكتلات الاقتصادية العالمية، حيث يسهم العمل العربي المشترك في تقوية الموقف الاقتصادي لكل دولة على حدة وفي المنطقة ككل.
لخصت هذه المشاركة السورية في ورشة صندوق النقد العربي التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، بدءاً من التأكيد على استمرار التعافي والنمو، وصولاً إلى أهمية الانضباط المالي والشفافية. كما أبرزت الحاجة الملحة للتنسيق الوثيق بين المؤسسات المالية والنقدية المحلية، مع الترحيب بالدعم الإقليمي والدولي لجهود التنمية وإعادة الإعمار. ويبقى الهدف الأساسي من هذه التحركات والسياسات هو تحقيق استقرار اقتصادي مستدام ينعكس أثره على المجتمع والقطاعات الخدمية والتنموية المختلفة.
