داخلي
التدريب المهني في سوريا.. خطة لربط المهارات باحتياجات المصانع وسوق العمل
ناقشت جلسة حوارية أقيمت ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي واقع التدريب المهني في سوريا وآليات تحويله إلى أداة أكثر فاعلية لتأهيل الكوادر التي يحتاج إليها القطاع الصناعي، مع التركيز على سد الفجوة بين المهارات التي تقدمها المؤسسات التدريبية ومتطلبات المصانع وسوق العمل. وحملت الجلسة عنوان «التدريب المهني.. من تنمية المهارات إلى بناء الكفاءات الصناعية»، وشارك […]
بقلم محرر الموقع · 2026-09-05T09:34:08
ناقشت جلسة حوارية أقيمت ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي واقع التدريب المهني في سوريا وآليات تحويله إلى أداة أكثر فاعلية لتأهيل الكوادر التي يحتاج إليها القطاع الصناعي، مع التركيز على سد الفجوة بين المهارات التي تقدمها المؤسسات التدريبية ومتطلبات المصانع وسوق العمل. وحملت الجلسة عنوان «التدريب المهني.. من تنمية المهارات إلى بناء الكفاءات الصناعية» ، وشارك فيها مدير مجمع التدريب المهني في دمشق الدكتور رياض قبيسي ومدير منظمة «هاند» في سوريا سعد الدين موقت. وتركز النقاش على ضرورة إعادة بناء نموذج التدريب بحيث يبدأ من احتياجات المنشآت الاقتصادية، بدلاً من الاكتفاء بتقديم برامج تعتمد فقط على المعدات والإمكانات المتاحة داخل مراكز التدريب. المشكلة ليست نقص فرص العمل فقط من أبرز النقاط التي طرحت خلال الجلسة أن التحدي الذي تواجهه الصناعة لا يتمثل دائماً في نقص فرص العمل. فبعض المصانع والمنشآت لديها شواغر فعلية، لكنها تواجه صعوبة في العثور على عمال يمتلكون المهارات اللازمة لتشغيل خطوط إنتاج حديثة أو التعامل مع التقنيات المتخصصة. وبحسب المشاركين، توجد فجوة بين ما يتعلمه بعض المتدربين وبين ما يحتاج إليه صاحب العمل فعلياً. وقد يؤدي ذلك إلى وجود بطالة بين الشباب من جهة، ووجود شواغر يصعب على الشركات ملؤها من جهة أخرى. من التدريب القائم على العرض إلى التدريب القائم على الطلب أوضح رياض قبيسي أن جزءاً من منظومة التدريب المهني يعتمد حالياً على ما وصفه بـ**«التدريب القائم على العرض»**. ويعني ذلك أن المركز التدريبي يحدد البرنامج بناء على الورشات والمدربين والمعدات التي يمتلكها. لكن التوجه الجديد يستهدف الانتقال إلى نموذج «التدريب القائم على الطلب»، أي البدء أولاً بسؤال الشركات والمصانع عن الوظائف والمهارات التي تحتاج إليها، ثم تصميم برامج التدريب بناء على الإجابات. ويغير هذا النموذج العلاقة بين مركز التدريب وسوق العمل. فبدلاً من تخريج متدربين ثم البحث لهم عن وظائف، يتم تحديد الوظيفة أو المهارة المطلوبة أولاً، ثم إعداد المتدرب لتلبية هذا الاحتياج. التدريب المزدوج ناقشت الجلسة أيضاً توسيع تطبيق نظام التدريب المزدوج . ويقوم هذا النظام على تقسيم عملية التأهيل بين مركز التدريب والمنشأة الاقتصادية. يتعلم المتدرب الجانب النظري والأساسيات الفنية في المركز، ثم ينتقل إلى المصنع أو الشركة لتطبيق المهارات في بيئة العمل الحقيقية. ويتيح ذلك للمتدرب التعرف على المعدات المستخدمة فعلياً ومواعيد الإنتاج ومعايير الجودة والسلامة والانضباط داخل المنشأة. كما يسمح لصاحب العمل بتقييم المتدرب قبل التوظيف، ما يزيد فرصة انتقال التدريب مباشرة إلى وظيفة. تعاون مع القطاع الخاص تحدث المشاركون عن تفعيل مذكرات تفاهم مع شركاء صناعيين بهدف تطوير برامج مرتبطة بخطوط الإنتاج الفعلية. ومن الأمثلة المطروحة التعاون مع مجلس رجال الأعمال السوري التركي وشركة LC Waikiki ضمن برامج تستهدف مهارات تشغيلية محددة. ويشكل دخول الشركات في تصميم البرامج خطوة مهمة، لأن المؤسسة التدريبية وحدها قد لا تملك معلومات محدثة بصورة دائمة عن جميع أنواع المعدات والتقنيات المستخدمة في السوق. أما الشركة، فهي تعرف بصورة مباشرة المهارات التي تحتاجها والوظائف التي تواجه صعوبة في إيجاد موظفين لها. التدريب في قطاع النفط كشفت الجلسة أيضاً عن توجه لتأهيل معهد دير الزور المهني بالتنسيق مع الشركات العاملة في قطاع النفط. والهدف هو توفير برامج تدريب مخصصة تنتهي بإمكانية التوظيف المباشر للمتدربين في الشركات التي شاركت في تحديد المهارات المطلوبة. ويمثل هذا النموذج مثالاً عملياً على التدريب المرتبط بالطلب، إذ يتم تصميم البرنامج وفق احتياجات قطاع اقتصادي محدد بدلاً من تقديم اختصاص عام يصعب على الخريج معرفة فرص العمل المرتبطة به. الذكاء الاصطناعي لن يلغي العامل الماهر تناولت الجلسة أيضاً تأثير الأتمتة والذكاء الاصطناعي على الوظائف الصناعية. وبحسب قبيسي، لا يعني انتشار التكنولوجيا انتهاء الحاجة إلى العمال الفنيين، وإنما سيغير تعريف «العامل الماهر» . فالعامل المستقبلي سيحتاج إلى الجمع بين المهارة اليدوية أو الميكانيكية والقدرة على استخدام البرامج والأنظمة الرقمية. ولهذا أصبح من الضروري إدخال المهارات الرقمية إلى برامج التدريب المهني، إلى جانب مهارات العمل الجماعي والانضباط وإدارة الجودة وحل المشكلات. تغيير الصورة النمطية للتعليم المهني ناقش المشاركون كذلك ضرورة تغيير النظرة الاجتماعية التي تعتبر التعليم المهني خياراً أقل قيمة من التعليم الأكاديمي. فالعديد من الاقتصادات الصناعية تعتمد بصورة كبيرة على الفنيين والتقنيين المتخصصين، ويمكن للعامل الماهر أن ينتقل مستقبلاً إلى إدارة ورشة أو تشغيل منشأة أو تأسيس مشروعه الخاص. ولهذا تحتاج المؤسسات إلى توفير مسارات واضحة للتطور المهني، بحيث يعرف المتدرب أن دخوله التعليم الفني لا يعني توقف تطوره الأكاديمي أو الوظيفي. بناء كفاءات تقود الصناعة اختتمت الجلسة بالتأكيد على ضرورة وضع معايير واضحة لتوصيف المهارات واختبارها وربط الشهادات المهنية بالكفاءة الفعلية. ويتيح وجود نظام وطني للمؤهلات معرفة مستوى كل متدرب ومقارنة مهاراته بالمتطلبات التي يحددها صاحب العمل. كما يساعد الشركات على اختيار الموظفين بناء على معيار واضح بدلاً من الاعتماد فقط على أسماء الشهادات. وتكشف المناقشات التي شهدها معرض دمشق الدولي أن ملف التدريب المهني بات جزءاً أساسياً من النقاش حول تطوير الصناعة السورية. فشراء الآلات أو بناء المصانع لا يكفي وحده لزيادة الإنتاج، بل يحتاج كل خط إنتاج إلى عمال وفنيين قادرين على تشغيله وصيانته وتحسين كفاءته. ومن هنا يأتي التوجه الجديد نحو نقل التدريب المهني من مجرد تعليم مهارة منفصلة إلى بناء كفاءات مرتبطة مباشرة بسوق العمل والصناعة والإنتاج .